حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
6
شاهنامه ( الشاهنامه )
تنظر ، فكيف بدونه تورد في الحياة وتصدر ؟ العقل فاعلم أوّل الخلق ، وهو المهيمن على الروح بالحق فاحمد العقل بلسانك وأذنك وعينيك ، فهو سبل الخير والشر إليك . من ذا الذي يوفى الروح والعقل الثناء ؟ وان أنا أثنيت فمن يستطيع الإصغاء ؟ ما جدوى الكلام ولا انسان أيها الحكيم ؟ أقصر وخبرنا كيف كان الخلق القديم : أنت صنع خالق العالم ، وتعرف ما خفى وما علن . اجعل العقل مشيرك على الدهور ، وتجنب به سفاسف الأمور . وتتبع في كل مكان أقوال العلماء ، ثم طوّف الآفاق وبثها للخاصة والدهماء . وإذا سقط إليك حديث من العرفان ، فلا تنم عنه ساعة من الزمان . وإذا أبصرت « فرعا » من البيان ، فاعلم أن « جذر » المعرفة لا يناله انسان . مقال في خلق العالم لا بد أن تعرف بادئ بدء أصل الجواهر : قد خلق اللّه شيئا من غير شيء لتتجلى قدرته . ثم خلق منه أربعة عناصر لم يمسه نصب ولم يحتج إلى زمن . بدأ بالنار المضيئة العالية ، ثم جعل الماء والهواء وسطا بينهما وبين التراب المظلم . اضطرمت النار فظهر اليبس من حرها ، وفثأت الحرارة فكان البرد ، ومن البرد نشأت الرطوبة . فلما خلقت عناصر هذا العالم الفاني عمل بعضها في بعض فظهرت الأنواع كلها : ظهرت هذه القبة سريعة الدوران تبدى كل يوم من عجائبها ، ووكلت السبعة بالاثني عشر . وأخذ كل مكانه المقدّر . وبدت القسمة والعطاء فأعطى ( الخالق ) كما يجدر بالعالم . وخلقت الأفلاك طباقا ، وتحرّكت حين اتسقت . وظهرت الأرض وبحارها وأوديتها ورباها كالمصباح المضيء . وارتفعت الجبال ، وسالت المياه ، ونما النبات . ولم تقدّر الرفعة لهذه الأرض فكانت مركزا أسود مظلما . وظهرت النجوم فوق في عجائبها ، وانتشر الضياء على الأرض . وصعدت النار ، وهبط الماء . ودارت الشمس حول الأرض . ونبت العشب وأنواع الشجر ، وقدّر لها أن تنمو صاعدة ليس في طبعها إلا النموّ لا تستطيع أن تنتشر على الأرض كالحيوان . ثم ظهر الحيوان فسيطر على النبات كله ، ودأب يطلب الطعام والسلامة والنوم . يتمتع بهذه الحياة ، ليس له لسان